علي الهجويري

237

كشف المحجوب

فخرج ذات يوم من حنجرتى شيء مثل جرو الثعلب ، وأعلمني اللّه بأنها نفسي ، فجعلتها تحت قدمي وكلما رفستها ازدادت ضخامة ، فقلت : إن كل الأشياء تهلك بالألم والضرب ، فلما ذا تزدادين ؟ . فأجابتنى : بأنى خلقت بالعكس ، حيث أن كل ما يؤلم الأشياء الأخرى يسرني . وأن ما يسرها يوذيني . قال الشيخ أبو العباس الأشقانى ، الذي كان إمام عصره ، دخلت ذات يوم إلى بيتي ، فوجدت كلبا أصفر نائما على فراشي ، فظننت أنه دخل من الشارع ، فأردت أن أطرده ، لكنه أنسل بين قميصى واختفى . وقد قال الشيخ أبو القاسم الجرجاني ، وهو قطب عصرنا هذا ، أنه كان في أيام بدايته يرى نفسه على صورة الثعبان ؛ وقال درويش : رأيت نفسي على صورة الفأر فقلت له : من أنت ؟ . فقال : أنا مهلكة الغافل ، لأنى أحضه على الشر ، ونجاة لمن يحبون اللّه ، لأنى لو لم أكن معهم بدنسى لكانوا يتكبرون عجبا ، إذ أنهم حينما ينظرون إلى طهارة قلوبهم وصفاء صدورهم ونور ولايتهم واستقامتهم يظهر زهوهم ، ثم ، إنهم حينما ينظرون إلى ما بين جنبيهم يتطهرون . بكل هذه الحكايات نثبت أن النفس مادة عينية وليست بصفة ، ولها صفات نشاهدها حقا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » فإذا ازددت معرفة بها تحققت أنه ليس في وسعك أن تسيطر عليها إلا بالتهذيب ، لكن حقيقتها ومادتها لا تفنى ، فإذا عرفها الإنسان حق المعرفة ، وصارت منقادة له فعندئذ ليس على الطالب أن يقلق رغم وجودها لأن النفس كلب نباح وإمساك الكلب الرياضة مباح ، لذلك كان القصد من مجاهدة النفس إن تقضى على صفاتها لا على حقيقتها ، وللشيوخ في ذلك حكم كثيرة ، واكتفى بذلك مخافة التطويل . والآن أبين لك حقيقة الهوى والتجرد من اللذة . بيان في حقيقة الهوى اعلم أعزك اللّه أن بعض أهل الرأي يقولون إن الهوى لفظ يطلق على صفات النفس .